الثلاثاء, 21 تموز / يوليو 2026

الذكاء الاصطناعي هل أصبح ساحة للتنافس الاقتصادي؟

Whatsapp
Facebook Share
الذكاء الاصطناعي هل أصبح ساحة للتنافس الاقتصادي؟

الذكاء الاصطناعي أحد أبرز الملفات الاقتصادية المطروحة على جدول أعمال قمة مجموعة السبع المنعقدة في مدينة إيفيان الفرنسية بين 15 و17 يونيو 2026، إلى جانب تباطؤ النمو واضطرابات التجارة وأمن سلاسل الإمداد. وتبحث الدول الصناعية الكبرى سُبل توسيع استخدام هذه التقنيات في الشركات والخدمات، وتأمين الموارد اللازمة لتطويرها، ووَضْع قواعد تُقلّل المخاطر المرتبطة بها. إن حضور الذكاء الاصطناعي في قمة اقتصادية بهذا المستوى؛ يعكس تحوُّله إلى عنصر مُؤثّر في توزيع الاستثمار والنمو والنفوذ بين الدول، مع ارتباطه بصناعة الرقائق ومراكز البيانات والطاقة والمهارات المتقدّمة.

 

تشير بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن نسبة الشركات المستخدِمة للذكاء الاصطناعي في الدول التي تتوفّر لديها بيانات ارتفعت من 8.7% عام 2023 إلى 20.2% عام 2025. ويُقدّر صندوق النقد الدولي أن الاستخدام الفعال لهذه التقنيات قد يضيف ما يصل إلى 0.8 نقطة مئوية سنويًّا إلى نمو الإنتاجية العالمية.

هذه التقديرات تُفسّر توسُّع الاستثمارات الحكومية والخاصة في هذا القطاع، فالدولة التي تنجح في نشر الذكاء الاصطناعي داخل الصناعة والخدمات والبحث العلمي، تملك فرصةً لخفض تكاليف الإنتاج، وتسريع الابتكار، وتحسين قدرة شركاتها على المنافسة في الأسواق الدولية.

 

أين يدور التنافس الاقتصادي؟
تبدأ المنافَسة من القدرة الحاسوبية: تطوير النماذج المتقدّمة يحتاج إلى رقائق عالية الأداء ومراكز بيانات ضخمة وشبكات اتصال سريعة؛ لذلك أصبحت شركات أشباه الموصّلات جزءًا من الأمن الاقتصادي، واتجهت الحكومات إلى تقديم حوافز لإنشاء مصانع الرقائق داخل أراضيها أو ضمن دول حليفة، وأيّ اضطراب في هذه السلسلة يمكن أن يُؤخّر مشاريع التكنولوجيا ويزيد تكلفتها؛ ما يمنح الدول المسيطرة على التصميم والتصنيع والمعدات نفوذًا واسعًا في الاقتصاد العالمي.

 

الطاقة تُمثّل المستوى الثاني من المنافَسة: مراكز البيانات تحتاج إلى إمدادات كهرباء مستقرة وقدرات تبريد كبيرة. ومع توسُّع استخدامها، يرتفع الطلب على شبكات الطاقة ومحطات التوليد. هذا الواقع يربط مستقبل الذكاء الاصطناعي بالاستثمار في الكهرباء والطاقة المتجدّدة والغاز والمفاعلات النووية. الدول التي تُوفّر طاقة مستقرة ومنخفضة التكلفة تصبح أكثر قدرةً على جذب مراكز البيانات والشركات التقنية، بينما تواجه الدول ذات الشبكات الضعيفة صعوبةً في بناء صناعة محلية متقدّمة.
البيانات والمهارات تُشكّلان المستوى الثالث: جودة النماذج ترتبط بحجم البيانات المتاحة وقدرة الشركات على تنظيمها واستخدامها، في حين تحتاج عملية التطوير والتطبيق إلى مهندسين وباحثين ومديرين قادرين على دمج التكنولوجيا داخل قطاعات الإنتاج. لهذا تتنافس الدول على استقطاب الخبرات، وتحديث المناهج التعليمية، وتمويل الأبحاث، وإنشاء بيئات تجذب الشركات الناشئة.

رأس المال البشري هنا يتحوَّل إلى أصل اقتصادي يوازي أهمية المصانع والموارد الطبيعية.

 

كيف يُؤثّر الذكاء الاصطناعي في الشركات والعمل؟
تظهر مكاسب الإنتاجية عندما ينتقل الذكاء الاصطناعي من الشركات التقنية إلى القطاعات التقليدية. المصنع يستطيع استخدامه في مراقبة الجودة، وتوقُّع الأعطال، وإدارة المخزون، والبنك يُوظّفه في تقييم المخاطر والكشف عن الاحتيال، بينما تستفيد شركات النقل من تحسين المسارات وتقليل استهلاك الوقود. انتشار هذه الاستخدامات يُخفّض التكلفة ويرفع سرعة العمل، ويمنح الشركات التي تتبنَّى التقنية مبكرًا قدرةً أكبر على التوسُّع.

 

الفجوة بين الشركات قد تتَّسع خلال هذه المرحلة: المؤسسات الكبرى تملك التمويل والبيانات والخبرات اللازمة، بينما تواجه الشركات الصغيرة تكلفة مرتفعة وصعوبةً في الوصول إلى البنية الحاسوبية. إنّ تركُّز التقنية داخل عدد محدود من الشركات يمكن أن يُعزّز هيمنتها على الأسواق ويضعف المنافسة؛ ولهذا وضعت الرئاسة الفرنسية لمجموعة السبع دعمًا لتَبنّي الذكاء الاصطناعي لدى الشركات الصغيرة والمتوسطة ضمن أولويات المسار الرقمي، إلى جانب الابتكار المفتوح وأمن الأنظمة.

 

سوق العمل يدخل بدَوْره مرحلة إعادة توزيع للمهام: الوظائف التي تعتمد على معالجة المعلومات وإعداد التقارير والخدمات المكتبية ستكون أكثر تعرضًا للتغيير، في حين يرتفع الطلب على مهارات تحليل البيانات والإشراف على الأنظمة والأمن السيبراني.

بعض العمَّال سيُحقّقون إنتاجية ودخلًا أعلى عبر استخدام الأدوات الجديدة، فيما تحتاج فئات أخرى إلى تدريب يسمح لها بالانتقال إلى وظائف مختلفة. سرعة التأهيل ستُحدّد حجم المكاسب الاجتماعية، كما ستُؤثّر في توزيع الدخل بين أصحاب رأس المال والعمَّال.

 

هل تُعمّق التكنولوجيا الفجوة بين الاقتصادات العالمية؟
تدخل الدول المتقدّمة سباق الذكاء الاصطناعي وهي تمتلك مزايا كبيرة، مثل: وفرة التمويل وتطوُّر صناعة الرقائق، وتوافر الطاقة، وقوة الجامعات، والشركات التقنية الكبرى. في المقابل، تواجه الاقتصادات النامية تحديات تتعلّق بالحصول على التكنولوجيا وبناء الكفاءات البشرية وتطوير البنية التحتية الرقمية.

كما أن الاعتماد على الحلول الأجنبية قد يُؤدّي إلى خروج البيانات والإنفاق التقني إلى الخارج، ويَحُدّ من قدرة هذه الدول على الإسهام في إنتاج القيمة المضافة، لتبقى في موقع المستهلك للتكنولوجيا أكثر من كونها مُنتجًا لها.

 

تخفيف هذه الفجوة يحتاج إلى الاستثمار في الاتصالات والكهرباء والتعليم الرقمي، ودعم تطبيقات تخدم احتياجات الاقتصاد المحلي في الزراعة والصحة والصناعة والخدمات الحكومية. كما تحتاج الدول إلى قواعد واضحة لحماية البيانات، وتنظيم المنافسة، وإدارة أثر التقنية في الوظائف.

بهذه العناصر يتحوَّل الذكاء الاصطناعي إلى أداة لرفع الإنتاجية وتوسيع فرص النمو.

 

تُؤكّد قمة السبع أن المنافسة المقبلة ستُقاس بقدرة الدول على تحويل الذكاء الاصطناعي إلى إنتاج واستثمار ووظائف. الريادة ستذهب إلى الاقتصاد الذي يجمع بين التقنية، والطاقة، والمهارات، وسرعة انتشار التطبيقات داخل الشركات، ويضمن في الوقت نفسه وصول المكاسب إلى قاعدة واسعة من المجتمع.
 

 
 


جميع الحقوق محفوظة 2026 © منصّة نمــــــاء الإعلامية Namaa Media