الثلاثاء, 21 تموز / يوليو 2026

مجموعة السبع كيف تؤثر المصالح السياسية في مواجهة الأزمة الاقتصادية؟

Whatsapp
Facebook Share
مجموعة السبع كيف تؤثر المصالح السياسية في مواجهة الأزمة الاقتصادية؟

اجتمع قادة مجموعة السبع في مدينة إيفيان الفرنسية بين 15 و17 يونيو 2026، بينما تواجه اقتصاداتهم آثار حرب رفعت أسعار النفط بنحو 30%، وأعادت الضغوط التضخمية إلى الأسواق العالمية.

وتزامنت القمة مع اتفاق مؤقّت بين الولايات المتحدة وإيران لوقف القتال وإعادة فتح مضيق هرمز، ما خفَّف القلق الفوري في الأسواق، لكنه لم يُنْهِ آثار الصدمة في أسعار الطاقة والشحن والغذاء.

ورغم أن الحرب أصبحت أحد أهم العوامل المؤثرة في توقعات النمو والسياسة النقدية؛ تجنَّب القادة فتح مواجهة مباشرة مع الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، وركّزت فرنسا على إعلانات محددة حول الاختلالات الاقتصادية والمعادن الحيوية والاستثمار التنموي بدل إصدار بيان ختامي واسع.
 
هذا المشهد يضع مجموعة السبع أمام مفارقة واضحة. فقد نشأت اجتماعاتها الاقتصادية الأولى في أعقاب أزمة النفط خلال سبعينيات القرن الماضي لتنسيق استجابة الاقتصادات الكبرى للصدمات العالمية. أما اليوم، فتواجه المجموعة أزمة طاقة وتضخم جديدة، بينما تَحُد الحسابات السياسية من قدرتها على مناقشة أسبابها وصياغة استجابة مشتركة لها.
 
كيف انتقلت الحرب إلى اقتصادات مجموعة السبع؟
ارتفعت تكاليف الطاقة بعد تعطُّل جزء من تدفقات النفط والغاز واضطراب حركة السفن عبر مضيق هرمز. هذا الارتفاع ينتقل إلى الاقتصاد عبر شبكة واسعة من القطاعات. المصانع تدفع أكثر مقابل الكهرباء والوقود، وشركات النقل ترفع أجور الشحن، بينما تتحمّل الزراعة تكلفة أعلى للأسمدة والآلات والنقل والتبريد.

وفي النهاية، تصل الزيادة إلى أسعار الغذاء والسلع والخدمات التي يدفعها المستهلك.
 
أوروبا واليابان أكثر تعرضًا لهذه الصدمة بسبب اعتمادهما الواسع على استيراد الطاقة. ارتفاع أسعار النفط يرفع فاتورة الواردات ويضعف الميزان التجاري، كما يسحب جزءًا من دخل الأسر والشركات نحو الإنفاق على الوقود والكهرباء. ويتراجع الطلب على السلع الأخرى، ما يبطئ قطاعات التجزئة والصناعة والخدمات.
 
الولايات المتحدة تتمتع بقَدْر أكبر من الحماية بسبب إنتاجها الواسع من النفط والغاز، لكنّ ارتفاع الأسعار يبقى مؤثرًا في التضخم وثقة المستهلك والأسواق المالية. كما أن الشركات الأمريكية تعمل داخل اقتصاد عالمي مترابط، وتتأثر بضَعْف الطلب الخارجي وارتفاع تكلفة النقل والمواد الأولية وتقلُّب الأسواق.
 
أما كندا فتستفيد جزئيًّا من ارتفاع أسعار الطاقة باعتبارها دولة مُصدِّرة، في حين تُواجه الأسر والشركات المحلية ضغوطًا مشابهة في تكاليف النقل والمعيشة. هذا التباين يجعل الاتفاق على سياسة موحدة أكثر تعقيدًا؛ فما يُمثّل خسارة للدول المستوردة قد يرفع عوائد المنتجين، بينما تختلف قدرة كل دولة على دعم الأسر أو تخفيض الضرائب أو استخدام الاحتياطيات.
 
لماذا عادت البنوك المركزية إلى السياسة النقدية المتشددة؟
تأتي صدمة الطاقة في مرحلة كانت فيها الاقتصادات الكبرى تحاول إنهاء دورة التضخم التي بدأت بعد الجائحة والحرب في أوكرانيا. ارتفاع النفط أعاد المخاوف من انتقال الأسعار إلى الأجور والخدمات، ودفع البنك المركزي الأوروبي وبنك اليابان إلى رفع أسعار الفائدة لتجنُّب موجة تضخمية أوسع.
 
رفع الفائدة يَحُدّ من الطلب والاقتراض، لكنّه يحمل تكلفة اقتصادية مرتفعة. القروض العقارية تصبح أكثر غلاء، وتتراجع قدرة الشركات على تمويل التوسع، كما ترتفع خدمة الدين الحكومي. وتواجه الحكومات معادلة صعبة بين احتواء التضخم ودعم النمو، خصوصًا أن ميزانياتها تتحمَّل أصلًا إنفاقًا واسعًا على الدفاع والطاقة والحماية الاجتماعية.
 
تقديرات صندوق النقد الدولي تُوضّح حجم المخاطر. السيناريو الذي يفترض حربًا قصيرة وارتفاعًا معتدلًا في أسعار الطاقة يخفض نمو الاقتصاد العالمي إلى 3.1% في 2026، مقارنة بـ3.4% في 2025. وفي سيناريو أكثر حدة يمكن أن يتراجع النمو إلى 2.5% ويرتفع التضخم إلى 5.4%، بينما يدفع استمرار اضطرابات الطاقة النمو نحو 2% ويزيد الضغوط التضخمية بصورة أكبر.
 
الاتفاق المُؤقّت وفتح مضيق هرمز يُخفّفان احتمالات السيناريو الأسوأ، لكن عودة الأسواق إلى طبيعتها تحتاج إلى وقت. المخزونات وسلاسل النقل وأسعار التأمين وعقود الشحن تحرَّكت وفق توقعات الحرب، وإعادة ضبطها قد تمتد لعدة أشهُر. كما تحتاج إمدادات وقود السفن والبنية اللوجستية إلى فترة أطول حتى تستعيد انتظامها السابق.
 
لماذا تجنَّبت القمة الصدام مع ترمب؟
أبدى قادة أوروبيون اعتراضهم على عدم التشاور معهم قبل اندلاع الحرب، وحذروا من انعكاساتها على أسعار الطاقة والاستقرار الاجتماعي. ومع ذلك، تجنّبوا تحويل القمة إلى مواجهة مفتوحة مع واشنطن؛ بسبب حاجتهم إلى التعاون الأمريكي في ملفات أوكرانيا وحلف شمال الأطلسي والتجارة والعقوبات والأمن الأوروبي.
 
هذا الاعتماد يُقلّص مساحة التحرُّك الاقتصادي المستقل. توجيه انتقاد مباشر للسياسة الأمريكية قد يعرقل التفاهمات في ملفات أخرى، بينما يؤدي الصمت إلى إضعاف قدرة المجموعة على مناقشة الأزمة بشفافية. لذلك اتجهت الرئاسة الفرنسية إلى تقليص مستوى الطموح، وألغت محاولة إصدار بيان ختامي شامل، وركَّزت على موضوعات أقل خلافًا مثل المعادن الحيوية والاختلالات التجارية وتمويل التنمية.
 
هل تُضعِف السياسة فاعلية مجموعة السبع؟
تراجُع قدرة المجموعة على اتخاذ موقف مُوحَّد يعكس تحولًا أوسع في الاقتصاد العالمي. فقد انخفضت حصة دول السبع من الناتج العالمي من نحو 60.5% عام 1980 إلى 44.1% حاليًّا، بالتزامن مع صعود الصين والهند والبرازيل واقتصادات ناشئة أخرى. كما تراجعت حِصّتها من سكان العالم إلى أقل من 10%.
 
هذا التحوُّل يعني أن معالجة التضخم والطاقة والتجارة تحتاج إلى مشاركة أوسع. فالدول الناشئة أصبحت أسواقًا ومراكز إنتاج ومصادر للمواد الخام، كما أن كثيرًا منها يتأثَّر أكثر من دول السبع بارتفاع الغذاء والطاقة والدولار. أيّ اتفاق يقتصر على الاقتصادات المتقدّمة يبقى محدود القدرة على إدارة أزمة عالمية مترابطة.
 
مع ذلك، تحتفظ مجموعة السبع بأهمية كبيرة. دولها تملك تأثيرًا واسعًا في المؤسسات المالية الدولية والعملات والأسواق والتكنولوجيا والعقوبات والاستثمار. كما تستطيع تنسيق الاحتياطيات وسياسات الطاقة وتمويل البنية التحتية ودعم الدول الأكثر تضررًا. المشكلة ترتبط بمدى استعدادها لاستخدام هذا النفوذ ضمن رؤية مشتركة.
 
كيف تؤثر الأزمة في الدول النامية؟
تدفع الدول المستوردة للطاقة والغذاء التكلفة الأكبر؛ لأنها تُواجِه ارتفاع فاتورة الواردات وتراجع قيمة العملات وزيادة خدمة الديون. ويؤدي صعود أسعار النفط إلى استنزاف الاحتياطيات الأجنبية، بينما ترتفع أسعار القمح والأسمدة والنقل. وقد تضطر الحكومات إلى زيادة الدعم أو خفض الإنفاق على التعليم والصحة والاستثمار.
 
كما يؤدي تبنّي البنوك المركزية في الدول الكبرى سياسة نقدية متشددة إلى ارتفاع العوائد العالمية وجذب الأموال نحو الدولار والسندات الأمريكية، ما يزيد خروج رؤوس الأموال من الأسواق الناشئة. وتتراجع قدرة هذه الدول على الاقتراض وتمويل البنية التحتية، في وقتٍ تحتاج فيه إلى موارد إضافية لمواجهة آثار الحرب.
 
لهذا يصبح تحويل مساعدات التنمية نحو الاستثمار إحدى القضايا التي دفعت بها فرنسا خلال القمة. الفكرة تقوم على استخدام الأموال العامة لضمان المشاريع وجذب رأس المال الخاص إلى الطاقة والنقل والمعادن الحيوية. نجاح هذا النموذج يحتاج إلى تمويل طويل الأجل وشروط تقلّل أعباء الديون وتمنح الدول النامية قدرة على بناء إنتاجها بدل زيادة اعتمادها على الخارج.
 
هل تستعيد المجموعة دورها الاقتصادي؟
يتوقف ذلك على قدرتها على تجاوز إدارة الخلافات السياسية نحو معالجة جذور الأزمة. استقرار الطاقة يحتاج إلى تنويع الإمدادات وتوسيع الاحتياطيات والاستثمار في الشبكات والنقل، بينما يحتاج احتواء التضخم إلى تنسيق يمنع تحول السياسة النقدية المتشددة المتزامنة إلى ركود عالمي. كما تتطلب حماية الغذاء دعم الدول المستوردة وتمويل الإنتاج الزراعي وسلاسل الإمداد.
 
نجحت قمة إيفيان في تجنُّب مواجهة سياسية قد تُعطّل التعاون في ملفات عديدة، لكنها كشفت حدود هذا الأسلوب. الحفاظ على الوحدة الدبلوماسية يمنح القادة وقتًا للتفاوض، بينما يؤدي تأجيل النقاش الاقتصادي الصعب إلى إضعاف ثقة الأسواق والدول الأخرى بقدرة المجموعة على إدارة الأزمات.
 
تبقى مجموعة السبع قوة مؤثرة في الاقتصاد العالمي، لكن نفوذها أصبح أكثر ارتباطًا بقدرتها على بناء شراكات مع الاقتصادات الناشئة وصياغة حلول تتجاوز مصالح أعضائها المباشرة. فالأزمة الحالية ستُقاس بنتائجها في أسعار الطاقة والغذاء والفائدة والنمو، وستُحدّد استجابة المجموعة ما إذا كانت ما تزال مركزًا لإدارة الاقتصاد العالمي، أم منتدى تضبط السياسة حدود قراراته.

جميع الحقوق محفوظة 2026 © منصّة نمــــــاء الإعلامية Namaa Media