الثلاثاء, 21 تموز / يوليو 2026

أوزبكستان والاستثمار الدولي هل تصبح طشقند وجهة استثمارية صاعدة؟

Whatsapp
Facebook Share
أوزبكستان والاستثمار الدولي هل تصبح طشقند وجهة استثمارية صاعدة؟

اختُتمت في أوزبكستان أعمال منتدى طشقند الدولي الخامس للاستثمار، الذي استمر ثلاثة أيام بمشاركة أكثر من 4000 مشارك من 100 دولة، بينهم مسؤولون حكوميون ورؤساء شركات وممثلون عن منظمات دولية، وبمشاركة قطرية عبر وَفْد من وزارة التجارة والصناعة.
 
المنتدى جاء تحت شعار «استدامة الاستثمار: آفاق جديدة، شراكات جديدة»، وركَّز على المواد الخام الحيوية والطاقة الخضراء والموارد الجيولوجية والذكاء الاصطناعي. هذه المشاركة الواسعة تعكس سعي طشقند إلى تثبيت موقعها كوجهة جديدة لرؤوس الأموال الدولية، خاصةً بعد جذب استثمارات بنحو 123 مليار دولار خلال السنوات الخمس الماضية.
 
تطرح أوزبكستان نفسها اليوم كسوق صاعدة داخل آسيا الوسطى، مستفيدة من موقعها بين الصين وروسيا وجنوب آسيا والشرق الأوسط، ومن نمو اقتصادي سريع وسكان يقترب عددهم من 40 مليون نسمة. وقد سجَّل الاقتصاد الأوزبكي نموًّا بلغ 7.7% عام 2025، مدعومًا بالإصلاحات، وارتفاع أسعار الذهب، وتوسُّع قطاعات الصناعة والخدمات.

لكن جاذبية البلاد للمستثمرين لا تعتمد على النمو وحده، بل على قدرتها على تحويل الإصلاحات إلى مشاريع فعلية وقواعد أكثر وضوحًا لحماية رأس المال.
 
لماذا تجذب أوزبكستان اهتمام المستثمرين؟
أول عناصر الجذب هو حجم التحوُّل الاقتصادي. فمنذ بدء الإصلاحات الواسعة، عملت أوزبكستان على تخفيف القيود على حركة رأس المال، وفتح قطاعات جديدة أمام الاستثمار، وتطوير القوانين المرتبطة بالشركات والملكية والضرائب. هذه الخطوات جعلت السوق أكثر قابلية للدخول مقارنةً بمرحلة سابقة كانت فيها القيود الإدارية والمالية تَحُدّ من تَوسُّع المستثمر الأجنبي.
 
العامل الثاني هو تنوُّع القطاعات المعروضة. المنتدى لم يُركّز على العقارات أو الخدمات فقط، بل عرض فرصًا في الطاقة، والنقل، والخدمات اللوجستية، والبنية الرقمية، والصناعات الخفيفة، والهندسة الكهربائية والميكانيكية، والصناعات الكيماوية، والجيولوجيا والموارد. هذا التنوُّع مُهِمّ لأنه يمنح المستثمر خيارات متعددة، ويقلّل اعتماد النمو على قطاع واحد.
 
أما العامل الثالث فهو الموقع. أوزبكستان تقع في قلب آسيا الوسطى، وتستطيع أن تكون نقطة ربط بين الصين وأوروبا وجنوب آسيا والشرق الأوسط إذا تطورت مشاريع السكك والطرق والموانئ الجافة. لذلك تحظى مبادرات مثل الممر الأوسط، والربط عبر أفغانستان، وسكة الصين–قيرغيزستان–أوزبكستان، بأهمية خاصة لأنها تُحوّل البلاد من سوق داخلية إلى عُقدة لوجستية إقليمية.
 
ما القطاعات الأكثر جذبًا للاستثمار؟
الطاقة الخضراء تأتي في المقدمة. أوزبكستان تحتاج إلى زيادة إنتاج الكهرباء لمواكبة النمو الصناعي والسكاني، وفي الوقت نفسه تسعى إلى جذب استثمارات في الطاقة الشمسية والرياح وتحديث الشبكات. هذا القطاع يَهُمّ صناديق الاستثمار والشركات الخليجية والدولية؛ لأنه يجمع بين الطلب المحلي الكبير وفرص العقود طويلة الأجل.
 
المواد الخام الحيوية والموارد الجيولوجية تمثل مجالًا آخر مهمًّا. ومع تصاعد التنافس العالمي على المعادن المستخدمة في البطاريات والطاقة النظيفة والتكنولوجيا، تحاول طشقند تقديم نفسها كجزء من سلاسل إمداد جديدة تُقلّل اعتماد الشركات العالمية على مصادر محدودة.

لكن نجاح هذا المسار يحتاج إلى تطوير التعدين محليًّا، وزيادة القيمة المضافة عبر المعالجة والتصنيع، بدل الاكتفاء بتصدير الخام.


القطاع الزراعي والصناعات الغذائية يملك بدوره فرصة واسعة. أوزبكستان تمتلك قاعدة زراعية وسوقًا داخلية كبيرة، ويمكن أن تستفيد من التكنولوجيا والتخزين والتصنيع لرفع صادراتها. جلسات المنتدى التي ركَّزت على الأمن الغذائي وسلاسل القيمة تعكس إدراكًا بأن الزراعة لم تَعُد قطاعًا تقليديًّا فقط، بل مدخل للتصنيع والتصدير.
 
كما يبرز الذكاء الاصطناعي والبنية الرقمية ضمن أولويات النمو. الاستثمار في هذه المجالات لا يعني فقط إنشاء شركات تقنية، بل تحديث الخدمات الحكومية والمصارف والصناعة والنقل. وكلما تحسَّنت البيئة الرقمية، ارتفعت قدرة المستثمرين على العمل بكلفة أقل وبإجراءات أكثر وضوحًا.
 
ماذا تعني المشاركة القطرية؟
المشاركة القطرية تمنح المنتدى بُعدًا خليجيًّا مُهمًّا. قطر تمتلك خبرة في الاستثمار طويل الأجل عبر الصناديق السيادية والطاقة والبنية التحتية والخدمات اللوجستية، بينما تبحث أوزبكستان عن شركاء قادرين على تمويل مشاريع كبرى ونقل خبرات إدارية وتشغيلية. لذلك يمكن أن تفتح هذه المشاركة الباب أمام تعاون في الطاقة، والزراعة، والصناعات الغذائية، والخدمات اللوجستية، والسياحة، والمناطق الاقتصادية.
 
كما أن تقارب أوزبكستان مع المستثمرين الخليجيين يمنحها فرصة لتنويع مصادر رأس المال. فبدل الاعتماد على الصين أو روسيا أو المؤسسات الغربية وحدها، تستطيع طشقند بناء شبكة أوسع تشمل الخليج وتركيا وأوروبا وآسيا. هذا التنويع يُقلّل المخاطر ويمنح الدولة قدرة أكبر على اختيار شروط تمويل أفضل.
 
ما التحديات أمام تحوُّلها إلى وجهة عالمية؟
رغم الزخم الكبير، يبقى التحدي في التنفيذ. الاستثمارات المعلنة لا تتحوَّل تلقائيًّا إلى مصانع وطرق ومحطات كهرباء. يحتاج المستثمر إلى أرض واضحة الملكية، وقضاء فعّال، وتحويلات مالية مستقرة، وقوانين ضريبية يمكن توقعها، وإدارة محلية قادرة على إنجاز التراخيص بسرعة.
 
تطوير سوق رأس المال يمثل شرطًا مهمًّا أيضًا. إعلان الرئيس شوكت ميرضيائيف عن خطط لتطوير مركز طشقند المالي الدولي، مع نظام يقوم على القانون الإنجليزي وإعفاءات ضريبية وجمركية وحرية حركة رأس المال، يعكس محاولة لجذب المصارف والصناديق والشركات المالية. نجاح هذه الخطوة قد يُحوّل طشقند إلى منصة تمويل إقليمية، لكنّه يحتاج إلى ثقة تنظيمية ورقابة مستقلة وشفافية عالية.
 
كذلك، يجب أن يتوازن جَذْب الاستثمار مع بناء قُدرة محلية. فالمشاريع الأجنبية تصبح أكثر فائدة عندما تُوظّف العمالة الوطنية، وتشتري من الموردين المحليين، وتنقل التكنولوجيا، وتدعم الصادرات. أما إذا بقيت منفصلة عن الاقتصاد المحلي، فسيكون أثرها محدودًا في الوظائف والدخل والقيمة المضافة.
 
هل تصبح أوزبكستان وجهة جديدة لرؤوس الأموال؟
تمتلك أوزبكستان مقوّمات واضحة لتكون وجهة صاعدة: سوق سكانية كبيرة، نموّ قويّ، موقع محوري، موارد طبيعية، وبرنامج إصلاحي يستهدف رأس المال الدولي. كما أن المنتدى وفَّر منصة مباشرة لعرض المشاريع وبناء الشراكات مع المستثمرين والحكومات والمؤسسات المالية.
 
لكنّ التحوُّل إلى مركز استثماري لا يُقاس بعدد المشاركين في المنتدى أو حجم التعهدات فقط، بل بعدد المشاريع التي تدخل التنفيذ، وحجم الوظائف التي تخلقها، وقدرة البلاد على رفع صادراتها وتطوير صناعاتها.

فإذا نجحت طشقند في ربط رأس المال الأجنبي بالإنتاج المحلي وسلاسل القيمة والبنية التحتية، فقد تصبح أوزبكستان واحدة من أبرز وجهات الاستثمار الجديدة في آسيا الوسطى خلال السنوات المقبلة.


جميع الحقوق محفوظة 2026 © منصّة نمــــــاء الإعلامية Namaa Media