الثلاثاء, 21 تموز / يوليو 2026

مضيق هرمز هل انتهت أزمة الطاقة أم بدأت معركة المسارات البديلة؟

Whatsapp
Facebook Share
مضيق هرمز هل انتهت أزمة الطاقة أم بدأت معركة المسارات البديلة؟

تراجع القلق في أسواق الطاقة بعد الاتفاق المؤقَّت بين الولايات المتحدة وإيران، وعودة جزء من حركة الناقلات عبر مضيق هرمز، لكنّ الأزمة لم تنتهِ اقتصاديًّا.

 

ما حدث كشف هشاشة اعتماد العالم على ممرّ ضيق تمر عبره كميات ضخمة من النفط والغاز، وأعاد فتح سؤال قديم بصيغة أكثر إلحاحًا: كيف يمكن للدول المنتجة والمستوردة حماية إمدادات الطاقة إذا عاد التوتر إلى المضيق؟ لذلك، يبدو أن المرحلة المقبلة لن تدور حول فتح هرمز فقط، بل حول تسريع الاستثمار في الأنابيب والموانئ والتخزين والمسارات البديلة.
 
يَمُرّ عبر مضيق هرمز نحو خمس تجارة النفط العالمية، إلى جانب جزء مُهِمّ من تجارة الغاز الطبيعي المسال، ما يجعله أحد أكثر الممرات حساسية في الاقتصاد العالمي. أيّ اضطراب في هذا الممر ينتقل سريعًا إلى أسعار النفط والوقود والشحن والتأمين، ثم يصل إلى كلفة الكهرباء والنقل والغذاء.

ولهذا لا تتعامل الأسواق مع هرمز كممر إقليمي، بل كحلقة مركزية في أمن الطاقة العالمي.
 
لماذا لا تعني عودة الحركة انتهاء الأزمة؟
عودة بعض الناقلات إلى المرور لا تعني عودة السوق إلى وضعها السابق بسرعة. شركات الشحن والتأمين تحتاج إلى ضمانات أمنية واضحة، وتريد التأكُّد من خلوّ المسارات من الألغام والمخاطر القانونية والعسكرية. حتى بعد فتح المضيق، تبقى أقساط التأمين أعلى من مستوياتها الطبيعية، وتظلّ بعض الشركات حَذِرة في إرسال ناقلاتها إلى منطقة اختبرت خلال الأشهر الماضية واحدة من أكبر اضطرابات الطاقة.
 
كما أن عودة التدفقات تحتاج إلى إعادة ترتيب عقود الشحن والتخزين والمواعيد. خلال فترة التصعيد، غيّرت شركات كثيرة مساراتها، وأُعيد توجيه بعض الشحنات، وارتفعت تكلفة الناقلات. هذه الشبكة لا تعود إلى طبيعتها بمجرد إعلان سياسي، بل تحتاج إلى أسابيع أو أشهر حتى تستقر الأسعار والمواعيد وسلاسل الإمداد.
وتبقى المشكلة الأكبر في الثقة. المستورد الآسيوي أو الأوروبي لا ينظر فقط إلى السعر الحالي للبرميل، بل إلى احتمال تكرار الإغلاق أو التهديد. فإذا بقيت المخاطر مرتفعة، ستتجه الشركات والدول إلى عقود بديلة ومخزونات أكبر ومسارات أكثر كلفة لكنها أكثر أمانًا.
 
كيف تبدأ معركة المسارات البديلة؟
أول مسار بديل هو الأنابيب التي تتجاوز هرمز. السعودية تمتلك خط الشرق–الغرب الذي ينقل النفط من شرق البلاد إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، ما يمنحها قدرة على تصدير جزء كبير من إنتاجها بعيدًا عن الخليج.

وقد أصبح هذا الخط أكثر أهمية خلال الأزمة، لأنه وفَّر منفذًا عمليًّا نحو البحر الأحمر والأسواق العالمية.
 
الإمارات تسير في الاتجاه نفسه عبر تعزيز خط أنابيب حبشان–الفجيرة، الذي ينقل النفط إلى ميناء الفجيرة على خليج عمان خارج المضيق.
 
لكن هذه البدائل لا تكفي لتعويض كامل تدفقات هرمز. الطاقة المتاحة عبر الأنابيب محدودة مقارنة بحجم الصادرات التي تمر يوميًّا عبر المضيق. كما أن الطريق نحو البحر الأحمر يواجه بدوره مخاطر أخرى مرتبطة بباب المندب والبحر الأحمر، ما يعني أن نقل الخطر من ممر إلى آخر لا يلغي المشكلة بالكامل.
 
من الأكثر تعرضًا للمخاطر؟
الدول التي لا تملك منافذ بديلة هي الأكثر حساسية. قطر مثلًا تعتمد على هرمز في تصدير الغاز الطبيعي المسال، وهو قطاع يُمثّل ركيزة رئيسية في دخلها وعلاقاتها مع كبار المستوردين في آسيا وأوروبا. الكويت أيضًا تُواجه مساحة أضيق للمناورة بسبب موقعها الجغرافي واعتمادها على الممر نفسه.
 
أما العراق، فيبحث عن بدائل عبر الشمال، خصوصًا خط كركوك–جيهان نحو تركيا، لكن هذا المسار يواجه خلافات سياسية وتشغيلية وأمنية.

ولذلك يبقى العراق معتمدًا بدرجة كبيرة على موانئه الجنوبية في الخليج، ما يجعله عرضة لأيّ اضطراب في هرمز أو ارتفاع في كلفة الشحن والتأمين.
 
بالنسبة إلى الدول المستوردة، تبدو آسيا الأكثر تأثرًا.

الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية تعتمد على نفط وغاز الخليج، وأي اضطراب في الإمدادات يرفع فاتورة الطاقة ويضغط على الصناعات والكهرباء والنقل. لذلك ستتجه هذه الدول إلى تنويع الموردين، وتوسيع التخزين، وزيادة المرونة في المصافي كي تستطيع معالجة خامات من مناطق مختلفة.
 
كيف تتغير حسابات المنتجين؟
أزمة هرمز ستدفع المنتجين إلى إعادة تقييم البنية التحتية للطاقة. لم يَعُد كافيًا امتلاك احتياطيات نفطية كبيرة أو قدرة إنتاجية مرتفعة، فالقدرة على إيصال البرميل إلى السوق أصبحت جزءًا من قوة الدولة النفطية.

المُنتِج الذي يملك أكثر من مَنْفذ للتصدير يستطيع الحفاظ على عملائه خلال الأزمات، بينما يفقد المنتج المُحاصَر بالممر الواحد جزءًا من مرونته التفاوضية.
 
لذلك ستزداد أهمية الاستثمار في الموانئ البديلة، وخطوط الأنابيب، ومرافق التخزين الخارجية. توسّع شركات النفط الخليجية في التخزين داخل آسيا وأوروبا يمنحها قدرة على تلبية الطلب حتى عند تعطُّل جزء من الشحن، ويمنح المشترين ثقة أكبر باستمرارية الإمداد.
 
كما ستصبح عقود الطاقة أكثر ارتباطًا بعامل الأمن. المستورد قد يقبل سعرًا أعلى قليلًا مقابل مورد يملك مسارات متعددة ومخزونات قريبة. وهذا يفتح باب منافسة جديدة بين المنتجين، لا تقوم فقط على السعر والجودة، بل على ضمان الوصول.
 
ماذا يعني ذلك للأسواق العالمية؟
في المدى القصير، يؤدي فتح المضيق إلى تهدئة الأسعار وتراجُع المخاوف من نقصٍ حادّ في الإمدادات. لكن بقاء علاوات المخاطر سيمنع عودة الأسعار إلى ما كانت عليه بسرعة. فالسوق ستظل تضع احتمال التعطل في الحسبان، خاصة إذا بقي الاتفاق السياسي هشًا أو مشروطًا.
 
في المدى المتوسط، سترتفع استثمارات البنية التحتية للطاقة. خطوط الأنابيب، والموانئ، والخزانات، ومحطات التصدير، وأنظمة التأمين والحماية البحرية، ستتحول إلى جزء من الإنفاق الإستراتيجي للدول المنتجة والمستوردة. وقد يؤدي ذلك إلى إعادة رسم خريطة الطاقة في الخليج، مع صعود موانئ خارج المضيق مثل ينبع والفجيرة، وزيادة الاهتمام بمسارات العراق وتركيا والبحر الأحمر وشرق المتوسط.
 
أما في المدى الطويل، فقد تُعزّز الأزمة توجُّه الدول المستوردة نحو الطاقة البديلة والغاز من مصادر متنوعة. فكل أزمة في ممر نفطي رئيسي تُقوّي حجة الاستثمار في الطاقة المتجددة، والمخزونات الإستراتيجية، والشبكات الكهربائية، والوقود البديل.
 
هل انتهت أزمة الطاقة؟
أزمة الإمداد المباشر قد تكون تراجعت مع عودة الحركة إلى مضيق هرمز، لكنّ أزمة الاعتماد على ممر واحد لم تَنْتهِ. ما بدأ كصدمة في أسعار النفط تحوَّل إلى سؤال بنيوي حول أمن المسارات، ومَن يملك القدرة على التصدير وقت الأزمات.
 
المعركة المقبلة ستكون بين مَن يملك بدائل ومن يبقى رهينة المضيق. الدول التي استثمرت في الأنابيب والموانئ والتخزين ستخرج أكثر قدرة على حماية صادراتها ومكانتها في السوق، بينما ستُواجه الدول الأقل تنوعًا تكلفة أعلى ومخاطر أكبر. لذلك، لم يُغلق فتح هرمز ملف الطاقة، بل فتح مرحلة جديدة عنوانها: أمن الإمداد يبدأ من تعدُّد المسارات.
 

أحدث المقالات
مَن سيُموِّل الدولة إذا عمل الذكاء الاصطناعي بدل البشر؟
يحيى السيد عمر
سوريا تصبح أكبر مُصدِّر لزيت الوقود في الشرق الأوسط في أشهر
يحيى السيد عمر
شي جين بينغ يطرح 4 ركائز لحوكمة الذكاء الاصطناعي عالميًّا
يحيى السيد عمر
أوكرانيا تُغلق آبار النفط الروسية.. والضرر يمتد لعقود
يحيى السيد عمر

روزنامة المقالات
Loading
لا يوجد حالياً أي بوستر

جميع الحقوق محفوظة 2026 © منصّة نمــــــاء الإعلامية Namaa Media