أوروبا والصين هل تتحوَّل البطاريات إلى ساحة حرب تجارية؟
أصبحت البطاريات عنصرًا إستراتيجيًّا يتجاوز دورها التقليدي كمُكوِّن أساسي في السيارات الكهربائية؛ إذ تحوَّلت إلى محور رئيسي في المنافسة الاقتصادية والصناعية بين أوروبا والصين.
ومع تسارع التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة وتزايد الاعتماد على السيارات الكهربائية وأنظمة تخزين الطاقة، باتت البطاريات تُمثّل أحد أهم القطاعات التي ستُحدّد شكل الاقتصاد العالمي خلال العقود المقبلة.
وفي هذا السياق، تنظر أوروبا بقلقٍ متزايد إلى هيمنة الصين على أجزاء واسعة من سلسلة إنتاج البطاريات، بدءًا من استخراج ومعالجة المعادن الأساسية وصولًا إلى تصنيع الخلايا والتقنيات المتقدمة.
لماذا تُمثّل البطاريات نقطة ضعف أوروبية؟
تُواجه أوروبا تحديًا كبيرًا في بناء صناعة بطاريات قادرة على المنافسة عالميًّا. فالقارة تحتاج إلى كميات ضخمة من البطاريات لتحقيق أهدافها المتعلقة بخفض الانبعاثات الكربونية والتوسع في استخدام السيارات الكهربائية والطاقة المتجددة.
إلا أن معظم الموادّ الخام الضرورية لهذه الصناعة تأتي من خارج أوروبا، كما أن الصين تسيطر على نسبة كبيرة من عمليات معالجة المعادن الأساسية مثل الليثيوم والنيكل والكوبالت والغرافيت.
ولا تقتصر المشكلة على المواد الخام فقط، بل تمتد إلى تكاليف الإنتاج المرتفعة داخل أوروبا. فأسعار الطاقة والعمالة أعلى مقارنة بالصين، ما يجعل الشركات الأوروبية تواجه صعوبة في منافسة المنتجات الصينية منخفضة التكلفة. وقد ظهر ذلك بوضوح في تعثر بعض المشاريع الأوروبية الطموحة، وعلى رأسها شركة «نورثفولت» السويدية التي كانت تُعدّ أحد أبرز رهانات أوروبا لبناء صناعة بطاريات مستقلة وقادرة على منافسة الشركات الآسيوية.
كما أن بناء مصانع البطاريات يتطلّب استثمارات ضخمة وخبرات تقنية متقدّمة وسوقًا كبيرة تضمن استمرارية الطلب، وهي عوامل لا تزال أوروبا تعمل على تطويرها في مواجهة المنافسة الصينية القوية.
كيف تستخدم الصين تفوقها الصناعي؟
نجحت الصين خلال العقدين الماضيين في بناء منظومة متكاملة لصناعة البطاريات، تشمل استخراج المعادن ومعالجتها وتصنيع الخلايا وتطوير التقنيات الحديثة. وقد ساعدها ذلك على تحقيق وفورات كبيرة في التكلفة والإنتاج، ما منَح شركاتها قُدرة تنافسية عالية في الأسواق العالمية.
وتُعدّ شركات مثل CATL وBYD من أبرز اللاعبين في هذا القطاع؛ حيث تمكنت من تطوير تقنيات متقدمة وإنتاج بطاريات بأسعار أقل من منافسيها. كما استفادت هذه الشركات من الدعم الحكومي الصيني ومن السوق المحلية الضخمة التي وفَّرت لها قاعدة قوية للنمو والتوسع.
إضافة إلى ذلك، تسيطر الصين على جزء كبير من عمليات معالجة المعادن المستخدَمة في البطاريات، وهو ما يمنحها نفوذًا مهمًّا في سلاسل التوريد العالمية. فحتى عندما يتم استخراج المعادن من دول أخرى، غالبًا ما تمر بمرحلة المعالجة داخل الصين قبل استخدامها في التصنيع، ما يجعل العديد من الدول الصناعية معتمدة بشكل غير مباشر على القدرات الصينية.
هذا التفوق لا يمنح الصين ميزة اقتصادية فقط، بل يوفّر لها أيضًا أدوات تأثير إستراتيجية في قطاعٍ يُنظر إليه على أنه أحد أعمدة الاقتصاد الأخضر العالمي.
لماذا تخشى أوروبا من تكرار تجربة الطاقة الروسية؟
أحد أبرز أسباب القلق الأوروبي يتمثل في الخوف من تكرار تجربة الاعتماد الكبير على الغاز الروسي قبل اندلاع الحرب في أوكرانيا. فقد أظهرت تلك الأزمة مدى خطورة الاعتماد على مصدر واحد في قطاع حيوي، وما يمكن أن يترتب عليه من تداعيات اقتصادية وسياسية واسعة.
ومن هذا المنطلق، تسعى بروكسل إلى تطبيق سياسة تُعرَف باسم «تقليل المخاطر»، وهي تختلف عن سياسة فكّ الارتباط الكامل مع الصين. فالاتحاد الأوروبي يدرك أن الاستغناء عن الصين في قطاع البطاريات أمر غير واقعي على المدى القصير، لكنّه يسعى إلى تقليل مستوى الاعتماد عليها عبر تنويع الموردين وتشجيع الاستثمار المحلي وإقامة شراكات مع دول أخرى تمتلك الموارد الطبيعية اللازمة.
وتشمل هذه الجهود تعزيز التعاون مع دول مثل أستراليا وكندا وبعض دول أمريكا اللاتينية وإفريقيا، بهدف تأمين مصادر بديلة للمعادن الإستراتيجية. لكنّ هذه الخطط تحتاج إلى سنوات طويلة واستثمارات ضخمة قبل أن تُحقّق نتائج ملموسة، وهو ما يجعل أوروبا في مرحلة انتقالية حساسة.
هل تتحوَّل الرسوم إلى حرب تجارية؟
شهدت العلاقات التجارية بين أوروبا والصين توترًا متزايدًا خلال السنوات الأخيرة، خاصةً بعد قرار الاتحاد الأوروبي فرض رسوم إضافية على السيارات الكهربائية الصينية. وترى بروكسل أن بعض الشركات الصينية تستفيد من دعم حكومي يمنحها أفضلية غير عادلة في الأسواق الأوروبية، بينما تعتبر بكين أن هذه الإجراءات تستهدف الحد من قدرتها التنافسية.
ورغم تصاعد الخلافات، يدرك الطرفان أن الدخول في حرب تجارية شاملة سيكون مكلفًا للجميع. فالصين شريك تجاريّ مهمّ لأوروبا، كما أن العديد من الشركات الأوروبية تعتمد على السوق الصينية لتحقيق جزء كبير من إيراداتها.
لذلك من المرجح أن يتركز الخلاف في المرحلة المقبلة على أدوات أقل حدة من المواجهة المباشرة، مثل فرض شروط أكثر صرامة على الاستثمارات، وتشديد قواعد المنشأ، وإجراء تحقيقات تتعلق بالدعم الحكومي والمنافسة. ومع ذلك، تبقى البطاريات من أكثر القطاعات عُرضة للتوتر بسبب أهميتها الإستراتيجية للطرفين.
كيف يمكن لأوروبا تجنُّب الخسارة؟
يرى العديد من الخبراء أن أوروبا تحتاج إلى اتّباع نَهْج متوازن يجمع بين حماية الصناعة المحلية والانفتاح على الشراكات الدولية. فبدلًا من إغلاق السوق أمام الشركات الصينية بشكل كامل، يمكن جَذْب الاستثمارات الأجنبية بشروط تضمن نقل التكنولوجيا وتوفير فرص العمل وتعزيز القدرات الصناعية المحلية.
كما أن تطوير قطاع إعادة تدوير البطاريات يمثل فرصة مهمة لأوروبا لتقليل اعتمادها على الواردات. فمع تزايد أعداد السيارات الكهربائية، ستصبح البطاريات المستعملة مصدرًا مهمًّا للمعادن الإستراتيجية، ما قد يساعد في بناء سلسلة توريد أكثر استدامة داخل القارة.
إضافة إلى ذلك، تحتاج أوروبا إلى تسريع إجراءات الدعم الصناعي وتبسيط القوانين المتعلقة بالمشاريع الجديدة، بما يسمح للشركات الأوروبية بالمنافسة بشكل أفضل في سوق يشهد تغيرات سريعة ومتواصلة.
هل تصبح البطاريات ساحة الحرب المقبلة؟
تبدو البطاريات مرشَّحة لأن تكون إحدى أبرز ساحات التنافس الاقتصادي والتكنولوجي بين أوروبا والصين خلال السنوات المقبلة. فالقضية لم تَعُد تتعلق بمُنْتَج صناعي واحد، بل بمنظومة كاملة تشمل المعادن والتكنولوجيا والتصنيع والطاقة والنقل.
ومع استمرار التحوُّل العالمي نحو الاقتصاد الأخضر، ستزداد أهمية السيطرة على سلاسل القيمة المرتبطة بالبطاريات. ولذلك فإن المنافسة الحقيقية لن تكون فقط على بيع البطاريات أو السيارات الكهربائية، بل على التحكم في جميع المراحل التي تبدأ من استخراج المعادن وتنتهي بإعادة التدوير.
وفي ظل هذه المعطيات، يبدو أن أوروبا والصين ستواصلان التنافس والتعاون في الوقت نفسه. فكل طرف يحتاج إلى الآخر بدرجات مختلفة، لكنّ كلاهما يسعى أيضًا إلى تعزيز موقعه وتقليل نقاط الضعف الإستراتيجية. ولهذا قد تتحوَّل البطاريات إلى واحدة من أهم ملفات العلاقات الاقتصادية بين الجانبين خلال العقد المقبل، وربما إلى ساحة اختبار رئيسية لمستقبل التجارة والصناعة في عصر الطاقة النظيفة.
