الثلاثاء, 21 تموز / يوليو 2026

تعزيز قياس الاقتصاد الرقمي في الصين دور الإحصاءات في فَهْم التحولات الاقتصادية

Whatsapp
Facebook Share
تعزيز قياس الاقتصاد الرقمي في الصين دور الإحصاءات في فَهْم التحولات الاقتصادية

مذكرة التفاهم بين صندوق النقد الدولي ومكتب الإحصاء الصيني تضع الاقتصاد الرقمي في قلب النقاش حول حجم النمو الحقيقي في الصين.

فالهدف المُعلَن هو تحسين قياس القطاعات الرقمية، مثل الذكاء الاصطناعي، والحوسبة السحابية، ومنصات الوساطة الرقمية، والبيانات بوصفها أصلاً اقتصادياً. هذه الخطوة تبدو فنية في ظاهرها، لكنها تحمل بُعداً اقتصادياً وسياسياً واضحاً؛ لأنها تأتي في وقتٍ تتزايد فيه المنافسة بين الصين والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي على التكنولوجيا والتجارة وسلاسل القيمة الجديدة.
 
أهمية الاتفاق لا ترتبط فقط بطريقة احتساب الناتج المحلي، بل بمدى قدرة الإحصاءات الرسمية على عكس التحولات العميقة داخل الاقتصاد الصيني. فالنمو لم يَعُد يُقاس فقط بالمصانع، والصادرات السلعية، والاستثمار العقاري، والإنفاق على البنية التحتية، بل أصبح مرتبطاً أيضاً بقيمة البيانات، والخدمات الرقمية، والمنصات، والبرمجيات، والأصول غير الملموسة التي تُشكّل جزءاً متزايداً من الثروة الاقتصادية الحديثة.
 
لماذا القياس مُهِمّ؟
الأرقام الاقتصادية لا تصف الواقع فقط، بل تُؤثّر في قرارات الحكومات والمستثمرين والشركات. فإذا كان الاقتصاد الرقمي لا يظهر بدقة في الحسابات القومية، فقد يبدو النمو أقل أو أعلى من حقيقته، وقد تُبْنَى السياسات على صورة ناقصة. وهذا مُهِمّ في حالة الصين؛ لأن الاقتصاد يَمُر بتحوُّل تدريجي من نموذج يعتمد على الصناعة الثقيلة والعقار إلى نموذج أكثر ارتباطاً بالتكنولوجيا والاستهلاك الرقمي والخدمات.
 
القياس الدقيق يساعد على فَهْم أين يتولد النمو فعلاً. هل يأتي من المصانع التقليدية؟ أم من المنصات الرقمية؟ أم من الذكاء الاصطناعي؟ أم من خدمات البيانات والحوسبة السحابية؟ الإجابة عن هذه الأسئلة تُحدّد اتجاه السياسات الصناعية والمالية، وتُوضّح القطاعات التي تحتاج إلى استثمار أو تنظيم أو دعم.
 
كما أن تحسين القياس يُعزّز قابلية المقارنة مع الاقتصادات الكبرى الأخرى. فإذا اعتمدت الصين معايير أقرب إلى نظام الحسابات القومية الجديد لعام 2025، تصبح بياناتها أكثر قابلية للمقارنة مع بيانات الدول التي تقيس الأصول غير الملموسة والاقتصاد الرقمي بالطريقة نفسها.
 
ماذا يضيفSNA 2025؟
نظام الحسابات القومية لعام 2025 يُمثّل تحديثاً مهماً لطريقة قراءة الاقتصاد العالمي؛ لأنه يُوسّع الاهتمام بالأصول غير الملموسة. فالبيانات، والبرمجيات، والمنصات الرقمية، والخدمات السحابية، لم تَعُد عناصر هامشية في النشاط الاقتصادي، بل أصبحت مدخلات إنتاج رئيسية في التجارة والصناعة والتمويل والخدمات.


بالنسبة للصين، يتيح هذا التحديث إدخال جزء أكبر من القيمة الرقمية في الحسابات الرسمية. فشركات التجارة الإلكترونية، وتطبيقات الدفع، ومنصات النقل، وخدمات الذكاء الاصطناعي، ومراكز البيانات، كلها تنتج قيمة اقتصادية لا تظهر دائماً بالطريقة نفسها التي تظهر بها قيمة مصنع أو طريق أو ميناء.


هذا لا يعني رفع أرقام النمو تلقائياً، بل يعني تحسين طريقة التقاط القيمة. والفرق مُهِمّ؛ لأن الهدف ليس تجميل المؤشرات، بل بناء صورة أكثر دقة عن بنية الاقتصاد ومصادر إنتاجيته.
 
أين البُعْد السياسي؟
البُعْد السياسي حاضر؛ لأن البيانات الاقتصادية أصبحت جزءاً من المنافسة الدولية. الدول الكبرى لا تراقب اقتصاد الصين من زاوية النمو العام فقط، بل من زاوية قدرتها على قيادة قطاعات مثل الذكاء الاصطناعي، والتجارة الإلكترونية، والحوسبة السحابية، والتقنيات الصناعية. وكلما أصبحت هذه القطاعات أكثر وضوحاً في الأرقام الرسمية، زادت قدرة المنافسين على تقييم حجم القوة الرقمية الصينية.
 
التوترات التجارية مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي تجعل هذا الملف أكثر حساسية. فالعلاقات الاقتصادية لم تَعُد تدور حول فائض تجاري في السلع فقط، بل حول موقع الصين في التقنيات سريعة التطور، وحجم الدعم الذي تحصل عليه الشركات، وقُدرتها على تصدير النماذج الرقمية والصناعية إلى الأسواق الخارجية.
 
من هنا، فإن تعاون الصين مع صندوق النقد يمكن أن يخدم هدفين في وقتٍ واحد: تحسين جودة الإحصاءات داخلياً، وتقديم إشارات خارجية حول الشفافية والالتزام بالمعايير الدولية. وهذا مُهِمّ في بيئةٍ يزداد فيها الشكّ بين القوى الاقتصادية الكبرى.
 
ماذا يعني للمستثمرين؟
المستثمرون يحتاجون إلى بيانات أكثر وضوحاً عن الاقتصاد الرقمي الصيني. فالشركات التي تعمل في التكنولوجيا والمنصات والخدمات السحابية لا تُقاس قيمتها بالطريقة التقليدية نفسها التي تُقاس بها الشركات الصناعية. جزء كبير من قيمتها يرتبط بالبيانات، والبرمجيات، وقواعد المستخدمين، والقدرة على توسيع الخدمات بسرعة.
 
عندما تتحسَّن الإحصاءات، يستطيع المستثمر أن يقرأ الاقتصاد بصورة أدق: أيّ القطاعات تنمو؟ أين تتراكم الأصول الرقمية؟ وما حجم مساهمة الخدمات غير الملموسة في الناتج؟ هذه الأسئلة تُؤثّر في قرارات الاستثمار، وفي تقييم المخاطر، وفي فَهْم قدرة الصين على تجاوز تباطؤ قطاعات تقليدية مثل العقارات.
 
كما أن البيانات الأكثر شفافية قد تساعد الشركات الأجنبية على تحديد الفرص. فالسوق الصينية ضخمة، لكنها مُعقَّدة، وتحتاج إلى مؤشرات واضحة حول الاستهلاك الرقمي، والبنية السحابية، وتبني الذكاء الاصطناعي، وحجم الطلب على الخدمات التقنية.
 
ما أثره على الصين؟
داخلياً، يمكن للقياس الأفضل أن يساعد بكين على إعادة توجيه سياساتها الاقتصادية. فإذا أظهرت البيانات أن الاقتصاد الرقمي يخلق قيمة مضافة عالية، فقد يزيد التركيز على التدريب، والبنية السحابية، وحماية البيانات، وتنظيم المنصات، ودعم الشركات التقنية. أما إذا كشفت البيانات فجوات في الإنتاجية أو تركّزاً زائداً في قطاعات محددة، فقد تدفع الحكومة إلى تعديل السياسات.
 
كما يمكن أن يساعد القياس الجديد على تقييم أثر الذكاء الاصطناعي في الإنتاجية. فالسؤال الحقيقي ليس فقط كم تستثمر الصين في الذكاء الاصطناعي، بل كيف ينعكس ذلك على الإنتاج، والخدمات، وسلاسل الإمداد، والتجارة، والوظائف. ومن دون أدوات إحصائية مناسبة، تبقى هذه التحولات صعبة القياس.
 

أحدث المقالات
مَن سيُموِّل الدولة إذا عمل الذكاء الاصطناعي بدل البشر؟
يحيى السيد عمر
سوريا تصبح أكبر مُصدِّر لزيت الوقود في الشرق الأوسط في أشهر
يحيى السيد عمر
شي جين بينغ يطرح 4 ركائز لحوكمة الذكاء الاصطناعي عالميًّا
يحيى السيد عمر
أوكرانيا تُغلق آبار النفط الروسية.. والضرر يمتد لعقود
يحيى السيد عمر

روزنامة المقالات
Loading
لا يوجد حالياً أي بوستر

جميع الحقوق محفوظة 2026 © منصّة نمــــــاء الإعلامية Namaa Media