الشركات العالمية أمام موجة جديدة من الهجمات السيبرانية
تواجه الشركات العالمية موجةً أكثر تعقيدًا من الهجمات السيبرانية، مع توسُّع استخدام الذكاء الاصطناعي في التصيُّد، والهندسة الاجتماعية، وتحليل الثغرات، وتسريع محاولات الاختراق.
وتكشف الحوادث الأخيرة في شركات كبرى أن الأمن السيبراني لم يَعُد ملفًّا تقنيًّا داخليًّا، بل أصبح عاملًا مؤثرًا في استمرارية الأعمال، وتكلفة التشغيل، وثقة العملاء، وحساسية البيانات، خاصةً في القطاعات الصحية والمالية والخدمية.
وجاءت حادثتا Abbott وClover Health لتُسلّطا الضوء على هذا التحول. فقد أعلنت Abbott التحقيق في حادثَين سيبرانيَّين تضمَّنا وصولًا غير مُصرَّح به إلى بعض الأنظمة الداخلية في وحدة تشخيص السرطان وبوابة LabCentral، مُؤكّدة أن عملياتها لم تتأثَّر.
كما أعلنت Clover Health أنها رصدت نشاط دخول غير معتاد في بعض أنظمتها في 4 تموز، ثم تبيَّن لاحقًا أن مهاجمًا وصل إلى ثلاثة حسابات لموظَّفين عبر الهندسة الاجتماعية. وبالرغم من أنّ الشركتَين لم تُرجّحا أثرًا ماليًّا جوهريًّا، فإنّ مجرد الإعلان عن هذه الحوادث يُوضّح كيف يمكن لاختراق محدود أن يتحوَّل إلى ملف تشغيلي وتنظيمي وسمعي.
الذكاء الاصطناعي يُغيّر شكل الخطر
تزداد خطورة الهجمات السيبرانية مع دخول الذكاء الاصطناعي إلى أدوات المهاجمين. وبدلًا من الاعتماد على رسائل تصيُّد عامة وسهلة الاكتشاف، بات بالإمكان صياغة رسائل أكثر إقناعًا، وتقليد أسلوب التواصل المهني، وتحليل بيانات منشورة عن الموظَّفين والشركات، ثم استخدامها في هجمات مُوجَّهة بدقَّة أعلى. وهذا يجعل العامل البشري إحدى أضعف الحلقات، حتى داخل شركات تملك أنظمة حماية مُتقدّمة.
الهندسة الاجتماعية تُمثّل نموذجًا واضحًا لهذا الخطر؛ حيث إن الاختراق لا يبدأ دائمًا من ثغرة تقنية في الخادم، وإنما قد يبدأ من خداع موظَّف أو سرقة بيانات دخوله أو استغلال صلاحياته.
وفي حالة Clover Health، وصل المهاجم إلى ثلاثة حسابات لموظَّفين غير إداريّين، كانت مرتبطة بجدولة زيارات الأعضاء وأعمال مبيعات موجَّهة للوسطاء، وكان بإمكان هذه الحسابات الوصول إلى بعض المعلومات الشخصية والصحية المحمية، مع عدم وصولها إلى الأنظمة المالية أو أنظمة المطالبات.
هذا النوع من الحوادث يُغيّر طريقة إدارة المخاطر داخل الشركات؛ لأن الحماية لم تَعُد مرتبطة بجدران الحماية والبرمجيات المضادة فقط، بل تشمل تدريب الموظفين، ومراقبة سلوك الحسابات، وتقييد الصلاحيات، وتطبيق المصادقة مُتعدّدة العوامل، ومراجعة أنظمة الوصول إلى التطبيقات السحابية والبوابات الخارجية.
القطاع الصحي في واجهة الهجمات
تبدو شركات الصحة والتأمين الطبي أكثر حساسيةً أمام الهجمات السيبرانية؛ لأنها تجمع بين بيانات شخصية وطبية ومالية عالية القيمة.
أيّ وصول غير مُصرَّح به إلى الأنظمة قد يثير مخاوف تتعلَّق بخصوصية المرضى، والامتثال للقوانين، واستمرارية الخدمات، وثقة العملاء.
لذلك تتحوَّل الحوادث السيبرانية في هذا القطاع إلى قضية تتجاوز المعالجة الفنية، لتصل إلى الإدارة العليا والمستثمرين والجهات التنظيمية.
في حالة Abbott، قالت الشركة إن حادث وحدة تشخيص السرطان لم يُؤثّر في أعمال أخرى أو مواقع أو أنظمة إضافية، وإن الأنظمة القديمة التابعة لـ Exact Sciences منفصلة عن أنظمة .Abbott كما أوضحت أن بوّابة LabCentral كانت تحتوي وثائق فنية مرجعية متاحة مثل أدلة التشغيل وقوائم التحقُّق ومواصفات المنتجات، وأنها لا تعرف بوجود تعرُّض لمعلومات حساسة خاصة بالعملاء أو الأعمال. ومع ذلك، استعانت الشركة بخبراء أمن سيبراني خارجيّين وأبلغت جهات إنفاذ القانون، بما يعكس تكلفة الاستجابة حتى عندما يكون الأثر التشغيلي محدودًا.
وتكشف هذه التفاصيل أن الضرر في الهجمات السيبرانية لا يقاس دائمًا بتوقُّف الإنتاج أو حجم البيانات المسرَّبة فقط. فالشركة تتحمَّل تكلفة التحقيق، والاحتواء، والتدقيق القانوني، والتواصل مع الجهات المختصة، ومراجعة أنظمتها لمنع تكرار الحادث.
وكلَّما زادت حساسية القطاع، ارتفعت تكلفة إدارة الثقة بعد الحادث.
تكلفة اقتصادية تتجاوز الاختراق
تضغط الهجمات السيبرانية على الشركات عبر عدَّة مسارات. المسار الأول هو تكلفة الاستجابة المباشرة، وتشمل الاستعانة بخبراء أمنيّين، والتحقيق الجنائي الرقمي، وإصلاح الأنظمة، ومراجعة الصلاحيات. المسار الثاني: هو تكلفة التعطيل المحتمل، إذ يمكن لأي توقُّف في بوابة عمل أو نظام داخلي أن يُؤثّر في خدمة العملاء وسلاسل التوريد والإيرادات. المسار الثالث: تكلفة الثقة، وهي الأشد حساسية؛ لأن العملاء والمستثمرين يراقبون قدرة الشركة على حماية بياناتها واستمرار عملياتها.
كما أن برامج الفدية تضيف بُعدًا ماليًّا أكثر وضوحًا؛ لأن المهاجمون لا يستهدفون تشفير البيانات فقط، بل يستخدمون الابتزاز المزدوج عبر التهديد بنشر معلومات حسّاسة أو بيعها. ومع تطوُّر أدوات الذكاء الاصطناعي، تصبح هذه الهجمات أسرع وأكثر تخصيصًا؛ ما يدفع الشركات إلى رفع إنفاقها على الأمن السيبراني والتأمين وإدارة المخاطر الرقمية.
وتزداد الضغوط التنظيمية أيضًا، إذ باتت الشركات المدرجة مطالبة بالإفصاح عن الحوادث المهمة، ومراجعة أثرها المحتمل في الأعمال والنتائج المالية.
لذلك أصبح الأمن السيبراني جزءًا من الحوكمة المؤسَّسية، وليس مجرد بند في موازنة تقنية المعلومات. كما أن مجلس الإدارة والمستثمرين يريدون معرفة جاهزية الشركة، وخطط الاستجابة، ومدى حماية البيانات الحساسة.
في المُحصّلة، تكشف حوادث Abbott وClover Health أن الهجمات السيبرانية المدعومة بالذكاء الاصطناعي تفتح مرحلة جديدة أمام الشركات. الخطر أصبح أسرع، وأكثر ارتباطًا بالعنصر البشري، وأشد تأثيرًا في القطاعات التي تعتمد على البيانات الحسَّاسة.
والشركات التي تتعامل مع الأمن السيبراني كاستثمار إستراتيجي ستكون أكثر قدرةً على حماية عملياتها وثقتها السوقية، بينما ستُواجه الشركات المتأخّرة تكلفة أعلى، وضغطًا تنظيميًّا أكبر، ومخاطر أوسع على سُمْعتها واستمرارية أعمالها.
