بكين وواشنطن هل تنتقل الحرب التجارية إلى المشتريات الحكومية؟
المشتريات الحكومية أصبحت ساحة جديدة في المواجهة الاقتصادية بين الصين والولايات المتحدة، بعد قرار بكين حظر شراء المنتجات المصنَّعة من 46 شركة أمريكية ضمن عمليات الشراء العام.
القرار الذي شمل شركات دفاعية كبرى مثل: «لوكهيد مارتن» و«رايثيون للصواريخ والدفاع»؛ يعكس انتقال التوتر من الرسوم والقيود التكنولوجية إلى استخدام الإنفاق الحكومي كأداة ضغط اقتصادي. فالدولة لم تَعُد تكتفي بتنظيم التجارة أو فرض العقوبات، بل باتت تُحدّد الشركات التي يسمح لها بدخول عقودها وأسواقها العامة.
هذا التطور يأتي في سياق تصعيد متبادل بين أكبر اقتصادَين في العالم. الولايات المتحدة وسَّعت قيودها على الشركات الصينية في التكنولوجيا والاتصالات والذكاء الاصطناعي وأشباه الموصّلات، بينما بدأت الصين استخدام أدوات مشابهة تشمل قيود التصدير، والقوائم السوداء، وحظر التعامل في المشتريات الحكومية.
وبهذا تصبح العلاقة التجارية أكثر ارتباطًا بالأمن القومي والسيادة الصناعية.
ما أهمية القرار؟
المشتريات الحكومية ليست سوقًا عاديَّة؛ كونها تشمل عقودًا كبيرة في الدفاع والبنية التحتية والاتصالات والطاقة والتكنولوجيا والخدمات العامة. وعندما تمنع دولة ما شركات أجنبية من دخول هذه السوق، فإنها لا تحرمها من مبيعات مباشرة فقط، بل ترسل رسالة سياسية واقتصادية إلى الشركات والمورّدين.
في الحالة الصينية، يستهدف القرار شركات أمريكية مرتبطة بقطاعات الدفاع والتكنولوجيا المتقدّمة، وهذا يعني أن بكين ترد على القيود الأمريكية بلُغة مشابهة: إذا كانت واشنطن ترى بعض الشركات الصينية خطرًا على أمنها، فإن الصين تستطيع أيضًا اعتبار شركات أمريكية معيَّنة غير مناسبة لعقودها الحكومية.
الأثر التجاري المباشر قد لا يكون كبيرًا؛ لأن كثيرًا من شركات الدفاع الأمريكية لا تعتمد أساسًا على السوق الحكومية الصينية. لكن الأثر الرمزي والإستراتيجي مهم؛ لأنه يثبت أن بكين تمتلك أدوات قانونية للرد، ويمكن أن تُوسّع استخدامها إذا استمرّت الضغوط الأمريكية.
كيف توسَّعت المواجهة؟
بدأت المواجهة الحديثة بين واشنطن وبكين من التكنولوجيا: الرقائق، ومعدّات الاتصالات، والذكاء الاصطناعي، والحوسبة السحابية، والمعادن النادرة، كُلّها تحوَّلت إلى ملفات أمنية.
ومع الوقت، لم تَعُد القيود تقتصر على منع تصدير تقنية معيَّنة، بل امتدت إلى منع الشركات من الحصول على عقود حكومية أو شراكات أو تمويل.
هذا التحول يُغيّر طبيعة العولمة. في السابق، كانت الشركات تعمل وَفْق منطق الكفاءة والتكلفة، وتشتري وتبيع وتنتج حيث تجد أفضل شروط اقتصادية.
أما اليوم، فإن الانتماء الوطني للشركة، ومصدر رأس المال، وعلاقاتها مع الجيش أو الدولة، باتت عوامل تُؤثّر في قدرتها على دخول الأسواق.
المشتريات الحكومية تتحوّل هنا إلى أداة فرز. الحكومات تُفضّل المورّدين المحليّين أو الحلفاء، وتستبعد الشركات القادمة من دول تعدها منافسة أو مصدر خطر. ومع توسُّع هذا النهج، قد تضطر الشركات العالمية إلى بناء سلاسل إنتاج منفصلة للسوق الأمريكية والصينية.
ماذا تريد الصين؟
الرسالة الأولى هي المعاملة بالمثل؛ الصين تريد إظهار أن القيود الأمريكية على شركاتها لن تمر من دون رَدٍّ، وأنها قادرة على استخدام قواعدها المحلية لحماية مصالحها الاقتصادية.
الرسالة الثانية: موجَّهة إلى الداخل الصيني؛ الحكومة تريد تعزيز الثقة بأن السوق المحلية والمشتريات العامة لن تبقى مفتوحة بلا حدود أمام شركات دول تفرض قيودًا على الصين. وهذا يدعم سياسة أوسع لتفضيل الشركات المحلية في القطاعات الحساسة، وبناء بدائل وطنية في التكنولوجيا والدفاع والصناعة.
الرسالة الثالثة موجَّهة إلى الشركات الأجنبية؛ فالشركة التي تدخل في ملفات سياسية أو عسكرية حساسة قد تواجه قيودًا داخل الصين. وبهذا تحاول بكين دفع الشركات الكبرى إلى حساب تكلفة الاصطفاف مع السياسات الأمريكية، خاصةً إذا كانت لها مصالح في السوق الصينية.
ما الأثر العالمي؟
الأثر الأكبر يظهر في سلاسل التوريد. عندما تستخدم الدول المشتريات الحكومية والعقوبات والقيود التكنولوجية بشكل متبادل، تبدأ الشركات في إعادة ترتيب مواقع الإنتاج والموردين. هذا يرفع التكلفة، ويُقلّل الكفاءة، ويبطئ حركة التكنولوجيا بين الأسواق.
كما أن الشركات مُتعدّدة الجنسيات تصبح أكثر حذرًا؛ حيث تضطر إلى فصل أنشطتها في الصين عن أنشطتها في الولايات المتحدة، أو إنشاء كيانات محلية مستقلة، أو تغيير مورّديها لتجنُّب الوقوع في قيود من أحد الطرفين.
بالنسبة إلى الدول الأخرى، قد تتحوَّل المواجهة إلى فرصة ومخاطرة في الوقت نفسه. بعض الدول قد تجذب استثمارات تبحث عن مواقع بديلة للتصنيع، بينما قد تتضرّر إذا اضطرت إلى الاختيار بين النظامَين الأمريكي والصيني.
ما علاقة الدفاع والمعادن؟
القرار الصيني لم يأت منفصلًا عن ملفات أخرى، فقد ترافَق مع إجراءات ضد شركات أمريكية مرتبطة بالدفاع والمعادن النادرة والطائرات المسيَّرة؛ ما يشير إلى أن بكين تربط بين التكنولوجيا العسكرية والمواد الإستراتيجية والمشتريات الحكومية.
المعادن النادرة تُمثّل ورقة مهمةً؛ لأن الصين تملك نفوذًا واسعًا في معالجتها وتوريدها، بينما تسعى الولايات المتحدة إلى بناء سلسلة بديلة لتقليل الاعتماد على بكين. لذلك، فإن استهداف شركات أمريكية تعمل في هذا المجال يحمل رسالة واضحة: سلاسل الإمداد الحساسة قد تصبح جزءًا من الرد الصيني.
أما قطاع الدفاع، فهو أكثر حساسية. الصين تعتبر شركات أمريكية كثيرة مرتبطة بتسليح تايوان أو بدعم القدرات العسكرية الأمريكية في آسيا؛ ما يجعل القيود على هذه الشركات جزءًا من سياسة أوسع تتجاوز التجارة إلى الأمن الإقليمي.
هل يتوسَّع التصعيد؟
احتمال التوسُّع قائم؛ لأن الطرفين يملكان أدوات كثيرة. الولايات المتحدة تستطيع زيادة القيود على الرقائق والذكاء الاصطناعي والاستثمار، والصين تستطيع تشديد ضوابط التصدير، وتقييد المشتريات، واستخدام قوائم الشركات غير الموثوقة.
لكن الطرفين يدركان أيضًا تكلفة التصعيد. الاقتصادان مترابطان في التجارة والتكنولوجيا والأسواق المالية وسلاسل الإنتاج. لذلك قد تستمر المواجهة على شكل إجراءات محدَّدة ومتبادلة، بدلًا من حرب شاملة تقطع العلاقات التجارية بشكلٍ كامل.
ماذا يعني للشركات؟
الشركات الأمريكية والصينية ستحتاج إلى إدارة مخاطر سياسية أكبر. ولم تَعُد القرارات التجارية تعتمد على السعر والجودة فقط، بل أصبحت مرتبطة بالوضع التنظيمي للشركة، وإمكانية مشاركتها في المشتريات الحكومية، ومدى اعتمادها على مواد أو تقنيات قد تخضع لقيود تصدير، إضافةً إلى قدرتها على توثيق مصادر مكوناتها وسلاسل التوريد الخاصة بها.
هذا الواقع يدفع الشركات إلى تنويع المورّدين، وتوطين جزء من الإنتاج، ومراجعة عقودها الحكومية، وبناء فِرَق قانونية لمتابعة العقوبات والقوائم التجارية. ومع الوقت، قد يصبح الامتثال الجيوسياسي جزءًا من تكلفة ممارسة الأعمال الدولية.
هل تتحوَّل إلى ساحة مواجهة؟
قرار بكين لا يعني أن المشتريات الحكومية ستصبح الجبهة الوحيدة في الصراع، لكنه يثبت أنها أصبحت أداة جديدة ضمن مجموعة أوسع من أدوات المنافسة؛ وذلك لأن الحرب التجارية لم تَعُد تدور حول الرسوم فقط، بل حول مَن يملك التكنولوجيا، ومَن يحصل على العقود، ومَن يدخل سلاسل الإمداد الحكومية، ومَن يُستبعَد منها.
إذا استمر التصعيد، فقد تتزايد القوائم المتبادلة، وتصبح الأسواق العامة أقل انفتاحًا وأكثر ارتباطًا بالتحالفات السياسية. وفي هذه الحالة، ستتحوَّل المشتريات الحكومية من أداة لتنفيذ المشاريع والخدمات إلى وسيلة لإعادة رسم حدود التجارة بين بكين وواشنطن.
