الثلاثاء, 21 تموز / يوليو 2026

أشباه الموصّلات هل أصبحت نفط الاقتصاد الرقمي؟

Whatsapp
Facebook Share
أشباه الموصّلات هل أصبحت نفط الاقتصاد الرقمي؟
يحيى السيد عمر

تحوَّلت أشباه الموصّلات إلى أحد أهم مفاتيح القوة في الاقتصاد العالمي، بعدما أصبحت الرقائق تدخل في صميم الذكاء الاصطناعي، والهواتف الذكية، والسيارات، ومراكز البيانات، والدفاع، والخدمات السحابية.

 

وكما كان النفط يُحدّد قدرة الدول الصناعية على الإنتاج والحركة خلال القرن العشرين، باتت الرقائق تُحدّد اليوم قدرة الدول والشركات على امتلاك الحوسبة، وتشغيل النماذج الذكية، وتأمين سلاسل التكنولوجيا الحديثة.
 
التطورات الأخيرة تؤكّد أن الرقائق لم تَعُد مكوناً تقنياً داخل الأجهزة فقط، وإنما أصل إستراتيجي يدخل في حسابات التجارة والأمن القومي.

فالولايات المتحدة تتَّجه إلى إجراءات جديدة لتنظيم الرقائق والذكاء الاصطناعي، في وقتٍ تضغط أزمة الذاكرة على سوق الهواتف عالمياً، بينما تبحث شركات كبرى مثل أبل عن مصادر توريد إضافية من الصين. هذه الأحداث المتفرقة ظاهرياً تعكس حقيقة واحدة: أيّ خلل في شريحة صغيرة يمكن أن يمتدّ إلى سوق استهلاكية ضخمة، أو يُغيّر ميزان المنافسة بين الدول.
 
الرقائق في قلب الصراع التكنولوجي
واشنطن تتعامل مع الرقائق المتقدّمة باعتبارها أداة قوة سياسية واقتصادية. فالإجراءات الأمريكية الجديدة المرتقبة لتنظيم الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات تعكس اتجاهاً واضحاً نحو ضَبْط تدفُّق الرقائق المتقدمة، خاصةً تلك المستخدَمة في تدريب وتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي. وتزداد أهمية هذا المسار مع توسُّع مراكز البيانات وارتفاع الطلب على معالجات قوية وذاكرة عالية الأداء.
 
هذا التشدُّد يرتبط بالمنافسة مع الصين. فالرقائق المتقدّمة تمنح الشركات والدول قدرة على تطوير نماذج ذكاء اصطناعي أكبر، وتحليل بيانات أوسع، وبناء تطبيقات في مجالات الأمن والصناعة والدفاع. لذلك أصبحت الولايات المتحدة تستخدم ضوابط التصدير كأداة لإدارة التفوق التكنولوجي، تماماً كما كانت الدول المنتجة للنفط تستخدم الإمدادات والأسعار للتأثير في موازين الاقتصاد والطاقة.
 
وتجد شركات الرقائق الأمريكية نفسها أمام معادلة دقيقة. السوق الصينية مهمة من حيث الإيرادات، لكن الوصول إليها يخضع لحسابات الأمن القومي. لذلك تحاول شركات مثل إنفيديا وAMD الحفاظ على حضورها التجاري ضمن الحدود التي تسمح بها واشنطن، بينما تعمل الصين على بناء بدائل محلية تُقلّل اعتمادها على الخارج. ومع كل قيد جديد، تزداد حوافز بكين لتوسيع إنتاجها المحلي، سواء في الرقائق المتقدّمة أو في الشرائح الأقل تطوراً التي ما زالت أساسية في معظم الصناعات.
 
أزمة الذواكر تكشف هشاشة السوق
الأزمة الأخيرة في شرائح الذواكر أظهرت أن الرقائق الأقل بريقاً قد تكون أكثر تأثيراً في الأسواق اليومية. فقد تراجعت شحنات الهواتف الذكية عالمياً 11 بالمئة في الربع الثاني، لتسجل أدنى مستوى لها في هذه الفترة منذ عام 2013، نتيجة نقص طويل في شرائح الذاكرة وارتفاع أسعارها. هذا التراجع يؤكد أن سوقاً ضخمة مثل الهواتف يمكن أن تتأثر مباشرة عندما تتجه شركات الذاكرة إلى تفضيل عملاء مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي على مُصنّعي الأجهزة الاستهلاكية.
 
وهنا تظهر العلاقة بين الذكاء الاصطناعي والمستهلك العادي. فطفرة مراكز البيانات ترفع الطلب على الذاكرة، وتدفع الأسعار إلى الأعلى، ثم تنتقل التكلفة إلى الهواتف والحواسيب والأجهزة الإلكترونية. أي أن المستخدِم الذي لا يتعامل مباشرةً مع الذكاء الاصطناعي قد يدفع جزءاً من تكلفته عبر ارتفاع أسعار الأجهزة أو تراجع توفر بعض الفئات، خاصةً الهواتف المتوسطة ومنخفضة السعر.
 
الصين والشرائح الأقل تقدّماً
اتجاه أبل إلى البحث عن إمدادات من شركة الذاكرة الصينية CXMT يعكس تحوُّلاً مهماً في خريطة أشباه الموصلات. فالشركة الصينية، رغم تأخُّرها تقنياً عن كبار المنتجين مثل سامسونغ وSK Hynix وMicron، بدأت تظهر كبديل مُهمّ في سوق DRAM، مستفيدةً من أزمة الإمدادات العالمية ومن حاجة الشركات الكبرى إلى تنويع الموردين. كما رفعت CXMT هدف طرحها العام إلى 8.6 مليارات دولار، في مؤشّر على توسُّع طموحاتها داخل سوق الذاكرة.
 
تشير التقديرات إلى أن حصة CXMT في سوق DRAM تبلغ نحو 8 بالمئة، مع إمكانية ارتفاعها في ظل الطلب المتزايد ونقص المعروض. هذه النسبة قد تبدو محدودة، لكنّها تحمل دلالة إستراتيجية؛ لأن الصين لا تنافس فقط في الرقائق الأكثر تقدُّماً، بل تبني موقعاً في الشرائح التي تعتمد عليها صناعات واسعة. وهذا النوع من الرقائق قد يصبح أكثر أهمية مع تزايد الطلب على السيارات الكهربائية، والأجهزة المتصلة، والهواتف، والبنية السحابية.
 
بالنسبة إلى أبل، البحث عن مورد صيني للذاكرة يعكس ضغط السوق أكثر مما يعكس خياراً سياسياً مريحاً. فالشركة تحتاج إلى تأمين الإمدادات والحفاظ على الأسعار، خاصةً في سوق صينية ضخمة ومنافسة. وبالنسبة إلى واشنطن، يفتح هذا التطور نقاشاً أوسع: التركيز على الرقائق المتقدّمة وَحْدها قد يترك الشرائح التقليدية والذاكرة في موقع هشّ، ما يمنح الصين مساحة أكبر للتوسُّع في قطاع بالغ الأهمية.
 
في المحصّلة، أصبحت أشباه الموصلات أقرب إلى نفط الاقتصاد الرقمي.

فهي تُحدّد قدرة الدول على الابتكار، وتؤثر في أسعار الأجهزة، وتُعيد تشكيل التجارة العالمية، وتدخل في صميم الأمن القومي.

وكما أن السيطرة على الطاقة منحت الدول نفوذاً واسعاً في القرن الماضي؛ فإن السيطرة على الرقائق وسلاسل إنتاجها قد تمنح النفوذ الأكبر في العقود المقبلة.

لذلك ستبقى الرقائق محوراً للصراع بين واشنطن وبكين، وسبباً في إعادة بناء سلاسل الإمداد، ومؤشراً على مَن يمتلك مفاتيح الاقتصاد الرقمي الجديد.
 

جميع الحقوق محفوظة 2026 © منصّة نمــــــاء الإعلامية Namaa Media