الثلاثاء, 21 تموز / يوليو 2026

الذكاء الاصطناعي يرفع تكلفة الكهرباء والرقائق عالميًّا

Whatsapp
Facebook Share
الذكاء الاصطناعي يرفع تكلفة الكهرباء والرقائق عالميًّا

تحوَّلت طفرة الذكاء الاصطناعي إلى عامل ضغط جديد على الأسعار العالمية، بعدما انتقل السباق من تطوير النماذج والبرمجيات إلى بناء مراكز بيانات ضخمة تحتاج إلى شرائح مُتقدّمة، وذاكرة عالية الأداء، وخوادم، وأنظمة تبريد، وكميات كبيرة من الكهرباء. ومع اتساع هذا الإنفاق، بدأت تكلفة الذكاء الاصطناعي تظهر في أسعار الأجهزة الإلكترونية، وفواتير الكهرباء، وسلاسل توريد الرقائق.


وكالة أسوشيتد برس تشير إلى أن استثمارات مراكز البيانات المخصَّصة لتشغيل الذكاء الاصطناعي قد تتجاوز 700 مليار دولار خلال العام الحالي، فيما يُتوقَّع أن تضخ أربع شركات تكنولوجية كبرى، هي ألفابت وأمازون وميتا ومايكروسوفت، نحو 720 مليار دولار هذا العام، معظمها في مراكز البيانات. هذا الحجم من الإنفاق يعكس تحوُّل الذكاء الاصطناعي إلى مَوجة استثمار رأسمالي ضخمة، قادرة على تحريك أسواق الرقائق والطاقة والمعدَّات كما تفعل القطاعات الصناعية الكبرى.
 
مراكز البيانات ترفع الطلب على الرقائق
تعتمد مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي على آلاف المعالجات والشرائح والخوادم، إضافةً إلى ذاكرة مُتقدّمة وأنظمة تخزين واتصال. ومع تسارع بناء هذه المراكز، ارتفع الطلب على مكوّنات لا يمكن زيادة إنتاجها بسرعة، خصوصًا شرائح الذاكرة والمعالجات. وتُقدّر «جيه بي مورغان» أن تكلفة بعض شرائح ذاكرة الحواسيب قد ترتفع بنحو 400 بالمئة بين عام 2024 ونهاية العام الحالي، نتيجة ضغط الطلب القادم من مراكز البيانات.


هذا الارتفاع لا يبقى داخل قطاع التكنولوجيا المتقدّمة فقط، بل ينتقل إلى الأجهزة الاستهلاكية.

فالحواسيب المحمولة، والهواتف الذكية، وأجهزة الألعاب، والخوادم الصغيرة، تعتمد جميعها على الذاكرة والمعالجات وسلاسل التوريد نفسها. وعندما تتنافس مراكز البيانات مع شركات الأجهزة على هذه المكوّنات، ترتفع الأسعار أو تتراجع قدرة الشركات على تقديم خصومات وموديلات أرخص.


وتظهر هذه الضغوط بالفعل في السوق، فقد أعلنت آبل رفع أسعار بعض الحواسيب المحمولة وأجهزة «آيباد» بنحو 15 إلى 25 بالمئة، وارتفع سعر أحد طرازات «ماك بوك» من 1699 دولارًا إلى 1999 دولارًا. كما أعلنت مايكروسوفت زيادة سعر جهاز «إكس بوكس» 100 دولار ابتداءً من آب، مع الإشارة إلى ارتفاع أسعار شرائح الذاكرة. هذه الأمثلة تُوضّح كيف تنتقل تكلفة الذكاء الاصطناعي من غرف الخوادم إلى المستهلك النهائي.
 
الكهرباء تصبح جزءًا من التضخُّم التكنولوجي
الكهرباء تُمثّل القناة الثانية التي تجعل الذكاء الاصطناعي عاملًا تضخميًّا؛ حيث تحتاج مراكز البيانات إلى طاقة ضخمة لتشغيل المعالجات والتبريد والشبكات، ومع تركُّزها في مناطق مُحدّدة، يزداد الضغط على شبكات الكهرباء المحلية. شركات المرافق تضطر إلى توسيع قدرات التوليد والنقل، وبناء خطوط جديدة، وتمويل استثمارات مُكلّفة لمجاراة الطلب.


وتشير بيانات مُؤشّر أسعار المستهلك في الولايات المتحدة إلى أن أسعار الكهرباء ارتفعت 5.9 بالمئة في أيار مقارنةً بالعام السابق، متجاوزة مُعدّل التضخم العام البالغ 4.2 بالمئة. كما يتوقَّع اقتصاديون في غولدمان ساكس أن ترتفع أسعار الكهرباء 6 بالمئة هذا العام والعام المقبل، ثمّ 3 بالمئة في عام 2028، وهي وتيرة أعلى من المعدَّلات المعتادة.


هذا يعني أن أثر الذكاء الاصطناعي لا يقتصر على شركات التكنولوجيا التي تبني مراكز البيانات، بل يصل إلى الأُسَر والشركات الصناعية والخدمية. فكل ارتفاع في تكلفة الكهرباء يضغط على ميزانيات العائلات، ويرفع تكلفة تشغيل المصانع والمتاجر والمكاتب، ويضيف عبئًا جديدًا على الاقتصاد في وقتٍ ما زالت فيه البنوك المركزية تحاول إعادة التضخم إلى مستوياتها المستهدَفة.
 
تكلفة انتقال قبل مكاسب الإنتاجية
يُقدّم الذكاء الاصطناعي وعودًا كبيرة برفع الإنتاجية وخفض التكاليف على المدى الطويل، لكن مرحلة البناء الحالية تخلق تكلفة انتقال مرتفعة. فالشركات تنفق مئات المليارات على الخوادم والشرائح والطاقة والأراضي والتبريد، بينما تحتاج الأسواق إلى وقتٍ قبل أن ترى مكاسب إنتاجية واسعة تنعكس على الأسعار.


وتُقدّر بعض التوقعات الاقتصادية أن طفرة الذكاء الاصطناعي قد تضيف نحو نصف نقطة مئوية إلى التضخم الأساسي بنهاية العام، وقد يبدو هذا الأثر محدودًا مقارنةً بموجات تضخم سابقة، لكنه مهم؛ لأن التضخم الأساسي في الولايات المتحدة بلغ 3.4 بالمئة في أيار، أيْ أعلى من هدف الاحتياطي الفيدرالي البالغ 2 بالمئة. لذلك يمكن لأي ضغط إضافي من الذكاء الاصطناعي أن يُعقّد مَهمّة السياسة النقدية، خاصةً إذا تزامن مع ارتفاع تكلفة الطاقة أو الرسوم أو الإيجارات.


المفارقة أن الذكاء الاصطناعي قد يكون أداةً لخفض التضخم لاحقًا إذا ساعد الشركات على رفع الإنتاجية، وتسريع الخدمات، وتقليل الهدر، وتحسين إدارة سلاسل الإمداد. غير أن المرحلة الحالية تحمل أثرًا معاكسًا؛ لأن الطلب على البنية التحتية يتقدَّم بسرعة أكبر من قدرة السوق على توفير الرقائق والكهرباء والمعدّات. وبذلك تظهر التكلفة أولًا، بينما تأتي المكاسب الإنتاجية لاحقًا وبشكل تدريجيّ.


وتزداد أهمية هذه المعادلة؛ لأن شركات التكنولوجيا الكبرى تملك القدرة المالية على شراء الشرائح والكهرباء والمعدَّات حتى بأسعار مرتفعة، بينما تواجه الشركات الصغيرة والمستهلِكون تكلفةً أعلى دون قدرة مماثلة على المناورة. لذلك قد يُؤدّي سباق الذكاء الاصطناعي إلى إعادة توزيع التكلفة داخل الاقتصاد؛ بحيث تتحمَّل قطاعات واسعة جزءًا من ثمن البنية التحتية التي تبنيها الشركات الكبرى.


في المُحصّلة، يكشف صعود الذكاء الاصطناعي أن الاقتصاد الرقمي يعتمد على موارد مادية مُكلّفة: شرائح، وكهرباء، وخوادم، وتبريد، وأراضٍ، وشبكات.

ومع تجاوز استثمارات مراكز البيانات مئات المليارات، يصبح الذكاء الاصطناعي قوةً اقتصادية مزدوجة؛ فهو يحمل فرصةً كبيرةً لرفع الإنتاجية مستقبلًا، لكنه يرفع اليوم تكلفة الكهرباء والرقائق والأجهزة عالميًّا.

ومن هنا، لن يُقاس سباق الذكاء الاصطناعي بسرعة النماذج فقط، بل بقدرة الاقتصادات على تحمُّل تكلفة البنية التحتية التي تجعل هذه النماذج تعمل.
 

جميع الحقوق محفوظة 2026 © منصّة نمــــــاء الإعلامية Namaa Media